
يجب عدم السماح لمناهضي الحرية الدينية وقيم الوفاق بالإساءة إلى سويسرا
حمّى التحريض ضد الحرية الدينية والوفاق المجتمعي تستدعي وقفة شجاعة تستجيب للعقل والضمير
نتابع في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، بقلق وأسف بالغيْن، موجةَ التعصّب المتصاعدة ضد المسلمين، الذين يشكِّلون جزءاً من سويسرا، التي اكتسبت صورتها في العالم باعتبارها بلد التنوّع والتعددية والوفاق وصون القيم الإنسانية واحترام الحريات وتكافؤ الفرص.
فمن المقلق حقاً أن تتوارد الأنباء والتقارير والصور من سويسرا، في الشهور والأسابيع الأخيرة، عن حملات متصاعدة، تعتمد إثارة الضغائن وإشاعة الكراهية، وتراهن على شقّ صفوف المجتمع، وتغذي العنصرية والتطرّف السياسي، وآخرها ما يجري من تعبئة ضد المساجد والمآذن والمسلمين بعامّة بذرائع شتى.
لقد ظلّت الديمقراطية المباشرة وثقافة المشاركة الشعبية في سويسرا موضعَ التقدير والاهتمام في العالم أجمع. لكنّ المحاولات المتطرِّفة لتوجيه الاستفتاءات والحملات الانتخابية ضد شركاء المجتمع الواحد، ولضرب قيم التسامح والتفاهم والتعايش الودِّي؛ إنما يتنافى بوضوح مع روح الديمقراطية، التي لا يمكن السماح باستخدامها بوابة للتحريض وذريعة لاستثارة فئات من المواطنين ضد شركاء المواطنة من فئات أخرى.
لقد بات من الواضح أنّ إثارة الجدل بشأن بناء دور العبادة، أو تشييد المآذن، يحمل في طيّاته أجندات متطرِّفة، تلجأ إلى العنصرية الانتقائية ضد المسلمين، وتراهن على إثارة مخاوف الجمهور، وحشد الحجج الواهية التي تتعمّد الإثارة والتضخيم وقلب الحقائق، بغرض إشاعة أجواء الشقاق والتعصّب داخل صفوف المجتمع الواحد.
كما أنّ إثارة الحملات السياسية والدعائية ضد دور العبادة، والاستخدام السياسي الرخيص للشأن الديني على هذا النحو الجاري بذريعة الاستفتاء على حظر المآذن، هما من البواعث الجادّة على القلق والأسف.
وإزاء حمّى التعبئة ضد الوفاق والتفاهم، والتحريض ضد الحرية الدينية، ومحاولة الإخلال بمقتضيات التعايش بين مكوِّنات المجتمع؛ نجد لزاماً علينا، في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، أن نعبِّر عن قلقنا من هذا التدهور الذي يلفت الانتباه ويثير الاستياء في أوروبا والعالم. ومن المؤسف أن يرسم هذا النهج المتفاقم صورةً مسيئة لسويسرا؛ غير التي عهدها الجميع عنها. فلا شكّ أنّ الحملات التي تغذِّي ثقافة التعصّب لا تُسدي أي خدمة لأي بلد كان، ولأي شعب يعتزّ بالقيم الإنسانية والالتزامات الأخلاقية.
وما يثير أسفنا كذلك، أنّ أصوات التعصّب والكراهية، التي تحاول التستر خلف معاداة المساجد ومناهضة المآذن، وتروِّج لشعارات تحريضية وإعلانات مثيرة للأحقاد؛ تسيء بشكل بالغ إلى سويسرا وشعبها، وتضرب القيم التي تتبنّاها هذه البلاد؛ التي اكتسبت عبر تاريخها تقدير الجميع في أوروبا والعالم.
إننا نرى في الحملات التحريضية الجارية مساساً بالقيم التي تعتز بها سويسرا والمجتمعات الأوروبية قبل أي شيء. فهذا التصعيد الحادّ يقتضي إدراك الجميع لمسؤولياتهم الأدبية والتزاماتهم الأخلاقية، في نبذ روح التعصّب، وما تغذِّيه من نزعات بدائية لا ينبغي أن يكون لها متسع في المجتمعات المتحضرة. ومن هنا؛ نحثّ كافة المسؤولين، والقيادات الدينية، وروّاد الفكر والأدب والثقافة والفنون والرياضة، وأطر المجتمع المدني النشط في سويسرا، علاوة على وسائل الإعلام وقادة الرأي، على إبداء مواقف مبدئية شجاعة.
إنّ الذي يجري من إساءات وإشاعة للكراهية يستدعي رداً متكاتفاً من الجميع، يقف في وجه هذه التطوّرات المقلقة، وينبذ نزعات العنصرية وإثارة الأحقاد، ويقطع الطريق على المتربِّصين بتماسك المجتمع. فالحمّى الحادّة التي بلغها خطاب الكراهية من جانب بعض الأطراف؛ تستدعي وقفة مراجعة، ومعالجة شجاعة، لأنّ الصمت وغضّ النظر يُفسِحان الطريق أمام المتربِّصين بالوفاق والمناهضين للتناغم داخل صفوف المجتمع.
وسنبقى على ثقة بأنّ الأغلبية المنحازة إلى التعقل، ستعلي صوتها ضد نهج إثارة الهلع والمخاوف الوهمية من الحريّة الدينية ودور العبادة وشركاء المجتمع والمصير. كما أننا على ثقة بأنّ المسلمين في سويسرا سيبقون حريصين مع شركائهم في المجتمع، على تدعيم أسس الوفاق وركائز التفاهم، التي لا يجوز الإضرار بها أو التنازل عنها مهما كانت الذرائع.
وختاماً؛ فلا غنى لمجتمعاتنا الإنسانية عن الإنصات إلى صوت العقل والضمير، فالجميع اليوم أحوج من أي وقت مضى إلى تعميق قيم التسامح والتعايش الودِّي، وصون الحريات العامة والشخصية والدينية من المساس، واحترام التنوّع الثقافي والديني، باعتباره إثراء، لا تهديداً كما يصوِّره المتعصِّبون.
بروكسيل، الثلاثاء، 10 نوفمبر 2009
اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا